عزيزتى،
زلمى...
اكتب إليك
لأنى في حيرة حقيقة من أمري، وأوجه شرخاً حاداً في سلام العقلي والروحى، إلى جانب
ما يمثله من مشكلة وصعوبة وربما إعاقة في التواصل مع العالم الخارجى، وسبب هذا
الشرخ والمشكلة التي أعياني تجاوزها هى... المسرح.
منذ صغري
وأنا لم أستطع التواصل مع المسرح، وكانت علاقتى تقتصر على الفكرة الصباحية
للبرنامج المفتوح يوم الخميس التي تعرض اسكتشات من بعض المسرحيات الكوميديا، وقد
راقتنى ولا زالت تروقنى فكرة الاسكتشات، لكن لم أفهم أبداً لماذا يتحدث شخص واحد
أو مجموعة أشخاص على خشبه لمدة تزيد عن 45 دقيقة، ولماذا يجب أن أشاهدهم وأسمعهم
طالما أنهم ليسوا أساتذة في المدرسة أو في الجامعة.
لكن الواحد
منا بيتعلم بالزمن، واللى مربهوش أبوه وأمه تربيه الأيام. ولهذا فقد حاولت أن أغير
من أمري وأن أطور من نفسي بالانفتاح على هذا الفن القديم وأبو الفنون المسرح، لكن
كل محاولاتى كنت تبوء بالفشل.
في الجامعة
وبحكم صدقاتى بالجيفو فقد أقنعنى بأهمية توفيق الحكيم وتورطنى معاً في ارتكاب
جريمة شنيعة في حق الإنسانية، وفي حق أنفسنا بكتابة عمل مسرحى تخيلي، بل في إطار
سلسلة من الظروف الغرائبية وجدت نفسي فجأة مساعد مخرج مسرحى، لكن الجرائم التي
ارتكبتها بالإضافة إلى عدم انسجامى مع التجربة برمته جعلنا أقضي على أى بذرة
اهتمام بالمسرح داخلى.
قرأت في
فترة مبكرة الكثير من النصوص والأعمال المسرحية لعرب أو أجانب، فهمت بالطبع أهمية
المسرح تاريخاً وقيمته كفن معاصر تتطور إلى عدد من الأشكال والأنماط. قدرت قيمة
أشخاص وكتاب مثل شكسبير، أبسن، بيكيت، وحتى جاو
كسينغجيان، لكن للحق لم استمتع بأى من أعمالهم المسرحية، ولم يتبق في الذاكرة سوي
أن ماجدة الخطيب هى بطلة مسرحية بيت الدمية، وشكسبير نسي أن يشير إلى أن هملت
يعانى من مشكلة في النطق.
أما على المستوى المشاهدة فقد باءت كل محاولاتى بالفشل ولم
أستطع أن أشاهد ولا مسرحية كاملة سوى مسرحية اسمها "ليال الأزبكية"
لأنها كانت هتيجى في الامتحان، وعرض آخر لربيع جابر جلست خلاله ألعب لعبة "سناك" على
الموبيل. ومنذ بضع سنوات أعلنت رسمياً فشلي في التواصل الفني مع المسرح فرغم كل
محاولاتى لم يحدث أن أحسست بأى شيء إيجابي اتجاه أى نص أو عمل مسرحي.
لكن وكما تعرفين بصفتك قريبة من القلب والروح وأشياء أخري،
فقد قررت منذ بداية العام الحالي أن أكون انسان جديد، وأعمل حاجة في حياتى غير
الفشل والمشاريع المؤجلة. وهكذا فقد بدأت في التخلى عن مجموعة من العادات السيئة
مثل رمى الجوارب المتسخة في غرفة النوم، المشى منحياً الظهر، النوم على البطن.
وفي غمرة موجة التطورات والعمل والاجتهاد فقد قررت عن صدق بأن
أحاول إعادة فتح ملف المسرح وعلاقتى الخاصة به. ومن خلال النقاش الداخلي فقد رأيت
أن المشاكل الأساسية مع المسرح هى الحاجز المفتعل بين الجمهور والممثلين، الخطابية
والمباشرة في الكثير من الأعمال، طول مدة العمل وعدم راحة الكراسي في معظم المسارح.
وكما تلاحظين فكلها أسباب تافهه يمكن التغاضي عنها وهو ما قررت عمله بالفعل. وكانت
فرصة حضور عرضك "صحوة ربيع" فرصة لمحاولة أخري مع المسرح.
هكذا ذهبت إلى العرض بكامل استعدادى وعدادى وبمزائج رائق جداً،
لكن ومنذ اللحظة الذي ظهر فيها المواطن بتاع "ليدس اند جنتلمان" لم
استطع أن اسيطر على نفسي وانفجرت في الضحك، ضحك حقيقي تحول مع بداية مشهد النشيد
الوطنى إلي هيستريا ضحك لم تحدث لى منذ زمن، لكنى اكتشفت أن الوحيد الذي يضحك وكل
من في القاعة ينظر لى شذراً.
حاولت السيطرة على نفسي ورسم ملامح الجدية، لكن فجأة اكتشفت
وجود ترجمة بالإنجليزية في أعلى خشبة العرض، تترجم كل كلمة يقولها الممثلين
فانفجرت مرة آخري في الضحك، ثم كان الحوار الكوميدى الذي يحدث على المسرح وفي لحظة
أحسست أنى سوف أبكى من الضحك، لكن الحضور بدأوا ينظرون لى باحتقار، بل قامت سيدة
عجوز بوضع اصبعها على فمها وعملت لى "هسس" وشاب كان يجلس بجواري، وضع
يده على ركبتى وقال لى هامساً "الصصصوت". تمالكت نفسي للحظات لكن الضحك
خرج من مرة آخري. كنت مستمتعاً جداً وبصراحة لم أضحك هكذا منذ فترة طويلة ولا أعرف
لماذا انتقد الكثيرين من أصدقائي العرض وحذرونى منه... كنت لأول مرة في حياتى كلها
استمتع بحالة مسرحية... لكنى شعرت بالخجل. فلطالما شعرت بالضيق من جمهور بعض دور العرض
السينمائي الذي لا يتوقف عن إطلاق التعليقات، أو إصدار الأصوات أثناء العرض، وها
أنا في وسط هذا العرض المسرحي لا أظهر أى احترام للعمل المقدم أو الحضور الذي
يتعامل بجدية فائقة معه، بل أتحول لمصدر إزعاج للحضور.
هنا كأنى قلبى فقاعة وانفثأت، شعرت بحيرة حقيقية، هل أنا
فعلاً انسان عشوائي لا يستحق التمتع بالمسرح؟ هل أنا قد كبرت لدرجة كبير بحيث لا
يمكنني الاستمتاع بالعمل المسرحى؟ هل أنا إنسان غير متحضر لا يمكن أن يترك بضحكة
العالى وسط هذا الحضور المثقف الذي يتشكل معظمها من الجرابيع الأجانب المقيمين
بالقاهرة ويحضرون مسرحيات تصاحبها ترجمة فورية تناقش بسذاجة ومن خلال منطق أوروبي
حداثي متعفن أوضاع المرأة – لا الجنس بكل تأكيد- في المجتمع المصري؟
لما استطع يا زلمى تحمل كل هذا الضغط، ولم أعرف كيف أتعامل،
لم أجد حلاً سوي الخروج، لكن حتى وقبل أن أفتح الباب وأخرج سمعت جملة حوارية بصوتك
فانفجرت من الضحك، فوجدت أحد الحضور ينظر لى مرة آخري شذراً من على مقعده.
لا أعرف ماذا أفعل في الحقيقية هل الغلط في أنا، ولا في
النظام؟ أرجوك دلينى يا زلمى، أرشدينى من دوامة الأفكار السوداء التي تغرقنى.
read more »